مدينة الشذوذ و الملذات، بومبي |

 

أسرار وخبايا لم تعرف بعد عن مدينة بومبي الإيطالية التي كانت يوما منبعا للترف والبذخ والفواحش، فما زال باحثون يكتشفون المزيد عن حياة من عاشوا فيها وكيف فارق الحياة. لا شك بأن معظمكم سمع عن ثوران بركان فيزوف عام 79 الذي حول أجساد سكان بومباي إلى تماثيل حجرية نتيجة الحرارة المرتفعة جدا لكن ذلك قد لا يكون صحيحا حيث توصلت دراسة إيطالية بريطانية نشرت في 24 من مارس إلى أن سحابة عملاقة من الرماد والغازات السامة كانت السبب الرئيس في موت نحو ألفي شخص من سكان المدينة و هم هؤلاء الأشخاص الذين ماتوا على هيئتهم ولم يتمكنوا من الهرب.

بومبي, pompéi, pompeii, الشذوذ, الملذات, ايطاليا, italie,

أجساد القتلى كانت سليمة وثيابهم لم تحترق ما يثبت أن الوفيات كانت ناجمة عن سحابة الغاز التي استمرت 17 دقيقة فوق سماء المدينة هذا ليس كل شيء، إذ شهدت الأشهر القليلة الماضية اكتشافات عدة وصفها علماء الآثار بالمذهلة فتخيلوا انهم كانوا يمتلكون سيارات فارهة على شكل عربات رباعية العجلات مصنوعة من البرونز والقصدير اكتشفت في فبراير الماضي، ولم تقف حياة البذخ عند العربات، بل كانت لديهم مطاعم للوجبات السريعة مثلنا حاليا، حيث عثر الباحثون في ديسمبر الماضي على متجر متخصص لبيع هذه الوجبات يحتوي على أوان حرارية كانت تستخدم لعرض الطعام ساخنا للزبائن.

وبالإضافة إلى هذه الاكتشافات، ما زال العلماء يعثرون بين حين وآخر على جثث متحجرة وهياكل عظمية لسكان المدينة الذين حاولوا الهرب من الكارثة.

و رغم إن الفسيفساء والمباني واللوحات الجدارية هي التي تجعل بومبي مميزة جدا، إلاّ أن جثث ضحاياها هي من كانت السِّر في شهرتها الواسعة، و جعلتها مقصدا مهماً لملايين السياح حول العالم.

بومبي اختفت عن وجه الأرض بعد أن حلت عليها اللعنة الإلهية، فتوقف الزمن عنها فجأة، هي من أشهر المدن الأرستقراطية التي يقاس ثراؤها بثراء سنغافورة حاليا، هذه المدينة الإيطالية على سفح جبل بركاني حاطها الغموض والألغاز، فظلت مضمورة تحت التراب لأكثر من 1700 عام.

تقع بومباي في جنوب إيطاليا بالقرب من مدينة نابولي حاليا وقد بنيت على سفح بركان فيزوف وهو أحد البراكين الشهيرة القليلة في القارة الأوروبية الذي لا يزال يتمتع بنشاط بركاني حتى الآن، كانت بومباي مدينة مزدهرة وشكلت مركزا تجاريا مهما في جنوب روما وهذا في عز الإمبراطورية الرومانية فكانت ذو حضارة مرموقة ومدينة شديدة الثراء كانت مرتعا للمتطرفين والأغنياء والسياحة. و هذا بفضل ما كانت تتمتع به من تناغم في التصميم المعماري ونظام متطور في الري وتوزيع المياه، وأيضا توزيع مياه الصرف الصحي حتى أنها احتوت على العديد من برك السباحة، ولا ننسى المنتديات العامة والثقافية وأيضا الكثير من المراكز الرياضية.

زينت جدران المدينة بالمناظر الخلابة و الرسومات الرائعة وبسبب طبيعتها البركانية كانت التربة المحيطة بها من أغلى الترب الزراعية في أوروبا آنذاك إذ أنهم كانوا يزرعون ويحصدون المحاصيل الزراعية ثلاث مرات في العام الواحد، فأصبحت منتجع للأغنياء وعوائلهم لدرجة أن أحد المؤرخين وصف الأحوال الاقتصادية لسكان هذه القرية قائلا:

"إنّ الناس كانت تلقي القطاع الذهبية في شوارعها بسبب كثرة أموالهم إلاّ أن نعمة المال تلك تحولت إلى نقمة فيما بعد فما بين القرن السابع قبل الميلاد حتى عام 79 للميلاد اختفت تماما، فكانت تحت 57 قدما تحت الأرض".

ورغم كل هذا الترف اشتهرت أيضا هذه المدينة التي كان يسكنها 20,000 نسمة تقريبا بالدعارة وكافة أنواع الشذوذ الجنسي وشرب الخمور والانحرافات الأخلاقية الأخرى. فانتشرت بيوت الدعارة وأصبح الجنس شيئا عاديا يمارس في الأزقة والشوارع في كافة الأوقات. فأصبح يوجد بيوت لممارسة الزنا في أغلب شوارعها ووصل بهم الأمر إلى الشهود الجنسية وممارسة الجنس مع الحيوانات أعزكم الله.

بسبب انشغالهم بالمعاصي وممارستهم للفواحش والجهر بها، لم ينتبه سكان هذه المدينة بالخطر الذي كان يحيط بهم. ففي عام 26 للميلاد ضرب زلزال عنيف مدينة مومباي لتهتز القرية بالكامل وتقع الكثير من المباني وكذلك المنشآت ويسقط الكثير من الضحايا ليكون التحذير الأول قبل أن يريهم الجبل وجهه الحقيقي، ذلك الزلزال الذي وصفه المؤرخون بالعنيف فقد قدرت درجاته بسبعة على سلم ريختر وأنه لم يكن إلا إنذار ما قبل الكارثة. لتبدأ القرية في إحصاء ضحاياها ودفن أمواتها والمضي في الحياة من جديدة ولم يتعظ أهل المدينة واكمال حياتهم غارقين في الملذات والشهوات حتى الظهير يوم صيف مشرق في 24 من شهر أغسطس سنة 79 للميلاد لينفجر بركان فيزوف قاذفا أطنانا من الحمم البركانية والغازات والرماد لأكثر من 7 أميال في السماء غطت الشمس وحولت النهار إلى ظلام دامس لتتوقف فجأة الحياة في بلدة الملذات فحاول سكان المدينة الفرار.

اتجه بعضهم عن طريق البحر واختبئ آخرون في بيوتهم. ولكن دام البركان في الثوران لمدة تزيد عن 19 ساعة حتى أهلكت المدينة بكاملها، فُقدت المدينة عام 1738 فظلت مدفونة تحت الرماد حتى عثر عليها أحد المهندسين عند حفر قناة بالمنطقة.

الغريب أن كل شيء بقى على حاله حتى بعد هذه المدة و حتى بعد العذاب الذي شهدته المدينة بالكامل. فأثناء التنقيب وكشف الجثث عن سطح الأرض كانت المفاجأة أنهم ظهروا على نفس أشكالهم وهيئتهم بعد أن حل الغبار البركاني لتظهر الجثة كأنها محفوظة على نفس الوضع الذي ماتوا عليه.

ظهر البعض منهم جالسا أو نائما، والبعض الآخر على الشاطئ لتظهر تفاصيل ملامحهم كأنهم على قيد الحياة من سرعة الموت، فقد قال العلماء أن كمية الطاقة الناجمة عن انفجار البركان تفوق أكبر قنبلة نووية، فبعد إجراء بحث دقيق على أكثر من 70 جثة بأهل القرية، وجد العلماء أنه لا توجد جثة واحدة لديها أي علامة للتأهب وحماية نفسها أو حتى الفرار. فالأرجح أنهم ماتوا بغتة دون فرصة للتصرف أو اتخاذ قرار.

كان أهل بومباي يرسمون الصور الإباحية على جدران منازلهم أمام النساء والأطفال والكبار. والآن بعد أن أصبحت المدينة مزارا سياحيا، بعض الأماكن يمنع على الأطفال وعلى الأقل من 18 عاما دخولها بسبب الرسوم الذي يظهر بها الزنا والشذوذ الجنسي بجميع صوره وأشكاله، فما تشاهده في بومباي والزمن الذي توقف عام 79. فكل المباني والشوارع تعود إلى ذلك التاريخ ولم يجر عليها أي إضافة أو تعديل، فمنذ ذلك اليوم حتى الآن يمكن للسياح رؤية الجثة المتحجرة لهذه المدينة التي تقدر بأكثر من ألف جثة. ففي عام 2007 وحدها استقبلت آثار المدينة أكثر من مليوني سائح من مختلف العالم.

فالمتأمل في قصة هذه المدينة لن يجدها مجرد قصة من قصص التاريخ أو سجلا تاريخيا لقطع أثرية نادرة ولكنها ايضا تحتمل عبرة لمن يعتبر.

Aymen

كاتب هاوي و مدون رقمي، مطور مواقع ويب و مصمم غرافيكي.

أحدث أقدم