هل هي أول مثلية عربية ؟ هند بنت النعمان |

 

بارعة الجمال راجحة العقل شاعرة فصيحة وبليغة وأنثى بكبرياء لا نظير له قتل كسرى والدها لأنها رفضت الزواج به وشكل العرب أكبر تحالف للدفاع عنها وأثيرت حولها شبهات كثيرة.

الحرقة هند بنت النعمان من هي؟ وهل حقا اهانت الحجاج وطلقها ثم زفها زوجة لغيره؟ وهل كانت أول امرأة مثلية لتاريخ العرب؟

هند بنت النعمان

هند والحجاج:

من أشهر القصص عن هند بنت النعمان أن الحجاج بن يوسف الثقفي أجبرها ذات يوم على الزواج منه لكنها كانت تكرهه وعجزت عن رفض هذا الزواج، ففكرت بدهائها بحيلة للتخلص منه، فوقفت أمام المرآة متجاهلة وجوده وأنشدت:

"وما هند إلا مهرة عربية سليلة أفراس تحللها بغل فإن أتاها مهر فلله درها، وإن أتاها بغل فمن ذلك البغل"

فغضب الحجاج كثيرا من شعرها وأرسل لها الخادمة بمهرها وأوصاه أن يقول لها كلمتين لا يزيد عليهما حرفا فقال لها الخادم:

"كنتِ فبنتِ" أي كنت زوجتي و طلقتك، فقالت مهللة: "كنا فما فرحنا فبِنا فما حزنا" ووهبت المال من فرحتها للخادم.

ويكمل رواة القصة بأن هند خطبت بعد فترة للخليفة عبد الملك بن مروان. فطلبت إليه مهرها أن يرسل الحجاج وكان عامل الخليفة بالعراق كي يسوقها له عروسا، فنفذ الخليفة أمرها وجاء إليها الحجاج وقاد هودجها إلى زوجها الجديد، وفي الطريق أوقعت من يدها دينارا ذهبيا، ثم نادته قائلة ناولنِ الدرهم الفضي الذي سقط مني، وبعد أن بحث ناولها الدينار الذهبية قائلا إنه لم يجد درهما بل دينارا ذهبيا، فقالت الحمد لله الذي أبدلني الدرهم ديناراً ففهم الحجاج قصدها بأنه هو الدرهم والخليفة الدينار وأسرها في نفسه، وعندما وصلوا برحالهم إلى الخليفة مروان تأخر الحجاج في حظيرة الخيل والناس يتجهزون لوليمة العرس فأرسل إليه الخليفة يدعوه للحضور فقال الحجاج: نحن قوم لا نأكل فضل طعام الرجال أي لا نأكل ما يتركه غيرنا مما بقي من طعامهم يقصد انه ترك هندا فتزوجها الخليفة فكأنه أكل ما ترك الحجاج من الطعام ففهم الخليفة مقصد الحجاج فأمر أن تبقى زوجته بأحد القصور ولم يقربها إلا أنه كان يزورها كل يوم بعد صلاة العصر، فعلمت هند سبب إعراضه عن الدخول بها فاحتالت لذلك حيلة، فأرسلت إليه أنها بحاجة إليه في أمر ما وأمرت الجواري أن يخبروها بقدومه قبل دخوله عليها فقطعت عقد اللؤلؤ عند دخوله وانفرطت حباته، ورفعت ثوبها لتجمع فيه اللآلئ فلما رآها عبد الملك، أثارته روعتها وحسن جمالها وتندم لعدم دخوله بها لكلمة قالها الحجاج، فقالت وهي تنظم حبات اللؤلؤ سبحان الله، فقال عبد الملك لما تسبحين الله؟ فقالت: إن هذا اللؤلؤ خلقه الله لزينة الملوك، قال نعم، قالت: ولكن شاءت حكمته ألا يستطيع ثقبه إلا الغجر، فقال متهللا: نعم والله صدقتي قبح الله من لامني فيك. ودخل بها من يومه هذا فغلب كيدها كيد الحجاج.

هذه القصة مكذوبة على هند والحجاج والخليفة معا وحتى الروايات التي نسبتها لهند بنت المهلب مكذوبة.

أيضا قصة أخرى تربطها النوادر العربية بهند بنت النعمان وهي أنها أول امرأة تحب امرأة في العرب حيث أعلنت حبها لزرقاء اليمامة وكانت كثيرة التغزل بها حتى قالوا إنها ترهبنت بعد أن بلغتها وفاة زرقاء اليمامة وبنت ديرا والتزمته حتى وفاتها وتلك أيضا قصة مكذوبة لا يوجد لها أي سند تاريخي وسنسرد لكم تفاصيل حياتها ومكانتها لتروا إن كانت هذه القصص تصح في حقها.

صاحبة النسب الرفيع:

إسمها الحرقة وهند لقبها الأميري عاشت مدللة وقضت شبابها في نعيم ورغد عيش في كنف والدها ملك الحيرة النعمان بن المنذر بن امرؤ القيس. وعرفت بالجمال والذكاء وذاع صيتها حتى بعث كسرى برونزا ملك الفرس ليخطبها من والدها ومنذ ذلك الحين انقلبت حياتها رأسا على عقب، إذ رفضت ووالدها هذا الزواج لأن العرب لم تعتد حينها تزويج بناتها للأعاجم ما أثار غضب كسرى فأضمر الشر للنعمان وابنته وتعهد بالانتقام منهما، لكن انتقامه جاء غدرا إذ لم يظهر غضبه على النعمان وحقده عليه بل إدعى انه تقبل رفضه له وأرسل إليه يدعوه لزيارته فلبى النعمان دعوته لكن قلبه لم يكن مطمئنا فقد عرف أن ملوك فارس لا يُؤمن جانبهم لذلك مر على قبيلة بني شيبان وأمنهم على أسرته وعتاده ثم أكمل طريقه إلى كسرى الذي غدر به وحبسه عنده حتى مات.

ثم وصل لهند أن كسرى عازم على الانتقام منها بعد والدها فهربت وقومها وجابت القبائل باحثة عن ملجأ يحميها من كسرى الذي بعث رجاله يجوبون الصحراء ويمرون على الرجال طالبين تسليم عائلة نعمان وخاصة هند ما أفزع العرب وشيوخ القبائل بداية فامتنعوا عن إيوائهن، فأوتها امرأة عرفت آنذاك بين العرب بشجاعتها وحكمتها وقوة شخصيتها وهي صفية بنت ثعلبة الشيباني التي لقبها العرب آنذاك بالحجيجة لرجاحة عقلها.

 

توحد العرب جميعا لحمايتها:

آوت الحجيجة هند و طلبت من أخيها عمرو بن ثعلبة الشيباني مساعدتها وحمايتها ووقفت وسط قبيلتها تحث الرجال أن يقفوا مع هند وقبيلتها وألقت بينهم الشعر قائلة:

أَحـيـوا الجـوارَ فَـقد أماتته معاً      كــلّ الأعــاربِ يــا بَــنـي شـيـبـانِ

مـا العـذرُ قـد لفّـت ثـيـابـي حـرّةٌ      مَــغــروســةٌ فــي الدارِ والمـرجـانِ

بنت الملوك ذوي المَمالِكِ وَالعُلى      ذات الحِــجــالِ وصــفـوة النـعـمـانِ

 

فأثارت أبيض الحجيجة حمية رجال القبيلة فعزموا على حماية هند ومن معها. لكن حين علم كسرى خبر إيوائهم لآل النعمان وابنته وعتاده أعلن حربه على قبيلة بني شيبان لأخذهم. وحين وصل خبر هجوم الفرس على القبيلة استعد بنو شيبان لقتالهم وبالفعل هزموا رجال كسرى وغنموا غنائمهم ما أشعل غضب كسرى أكثر وأكثر فشكل جيشا عظيما، وهذه المرة قاد جيشه بنفسه وجعل ابنيه على ميمنة الجيش و ميسرته لتهب كل القبائل العربية حينها لنصرة هند وبني شيبان فاتحدت قبائل بنو حنيفة وبنو نجيم وبنو عجل و بنو جهل ثم اليشكوريون لتشتعل حينها معركة ذي قار التي أباد فيها العرب جنود كسرى وهزموهم شر هزيمة وبعد أيام من قتال دامٍ قتل فيه او لدى كسرى انقلب الملك الفارسي مهزوما شر هزيمة ولم يعد بعدها نهائيا لقتال العرب، فاطمأنت هند على نفسها وغادرت قبيلة بني شيبان متوجهة إلى المنطقة بين الحيرة والكوفة حيث بنت ديرا صغيرا لها هناك ولبست زي الراهبات المسيحيات.

ويقال انه أيام الفتح الإسلامي زار خالد بن الوليد هندا في ديرها وأحسن إليها رغم أنها رفضت دعوته لها للدخول إلى الإسلام، فتركها خالد بن الوليد وأمر لها بالمعونة والكساء، وعين لها من يزرع لها أرضا حول ديرها لتقتات من خيراتها.

عمرت هند بنت النعمان لسنين طويلة بعد الإسلام و أصابها العمى في كبرها حتى توفيت عام 74 للهجرة وإلى اليوم تتغنى المصادر التاريخية الموثوقة بهند بنت النعمان وشجاعتها وفصاحتها ورفعة مكانتها بين العرب.

فهل يمكن لامرأة مثلها أن تذل الحجاج؟ والسؤال الأهم هل كان أحد يجرؤ على أن يهين الحجاج أو يذله في ذلك الزمان؟

Aymen

كاتب هاوي و مدون رقمي، مطور مواقع ويب و مصمم غرافيكي.

إرسال تعليق

أحدث أقدم