كثيرا ما نسمع كلمة
مستشرقين تتردد في الأفلام الوثائقية و المحاضرات التاريخية. لكننا نتساءل من هم
المستشرقون وماذا نقصد بالاستشراق؟ إنه بكل بساطة توجه
فكري واستعماري اهتم بدراسة الحضارة الشرقية الإسلامية بكافة علومها،
ثم
اتسع ليشمل البلاد التي وقعت تحت الاستعمار.
ولم
يقتصر على الشرق فقط بل وصل لمختلف دول إفريقيا والصين والهند .
لكن دعونا نتوقف قليلا من هم المستشرقون يا ترى؟
غالب المستشرقين علماء أوروبيون من خلفية تبشيرية. اختصوا بدراسة الاسلام واللغة العربية بشكل خاص، ولغات الشرق وأديانه وأدابه بشكل عام، وهم في رحلاتهم وتنقلاتهم في الشرق متفاوتون فمنهم من جاء بلباس عسكري وآخرون جاؤوا بلباس مدني. سواء كان بصفة أطباء أو معلمين أو متعلمين مثل غولد تسيهر الذي درس في الأزهر الشريف، إلا أنهم بمعظمهم يشتركون في الخلفية التبشيرية والاستعمارية..
مهلا مهلا ..
ألا ترى أن كثيرا من
المستشرقين جاؤوا بأفكار اصلاحية وعلمية،
ساعدت
المسلمين على رؤية تطور الغرب والتفاوت بين المسلمين وبينهم.
هذا الكلام يحتاج بعض
التفصيل، انظروا معي إلى الرجل صاحب الغليون
المستشرق
مكسيم رودنسون الذي يقول في إحدى اشهر عباراته:
لم يرى المستشرقون في
الشرق الا ما كانوا يريدون رؤيته، فاهتموا كثيرا بالأشياء
الصغيرة والغريبة، ولم يكونوا يريدون أن
يتطور الشرق ليبلغ المرحلة التي بلغتها اوروبا.
وانظروا معي الى الرجل
الألماني شتيفان فيلد أحد أبرز وجوه الاستشراق الألماني
المعاصر، وقد كان أستاذ اللغات الشرقية والدراسات الإسلامية في
جامعة بون الألمانية حيث قال:
توجد جماعة يسمون
أنفسهم مستشرقين سَخّروا معلوماتهم عن
الإسلام وتاريخه في سبيل مكافحة الإسلام والمسلمين
وهذا
واقع مؤلم لابد أن يعترف به المستشرقون المخلصون لرسالتهم بكل صراحة.
هذا الصنف الذي تحدث
عنه هذان المستشرقان لم يكن إلا معاديا
للإسلام وباحثا عن هدمه ونقله وتشويه صورته، أو خادما لسياسات دولته التي أرسلته
ابتداءا ومولت أبحاثه .
لكن الإنصاف يدفعنا لأن
نقول: هناك فريق آخر من المستشرقين نظروا بعين الاحترام للإسلام والمسلمين،
وعملوا
على إنصاف الحضارة الإسلامية ونشر تراثها والدفاع عنها،
حيث
دفعوا أعمارهم بشوق للتعرف على الشرق وعلومه
وتحملوا
في سبيل ذلك الكثير من الصعوبات وأفادوا المشرق بالعلوم
والمعارف المختلفة وتطوير مناهج التعليم والبحث
ومنهم
من آمن واعتنق الاسلام مثل المستشرق النمساوي ليوبولد فايس الذي صار اسمه لاحقا
محمد أسد.
انظروا مثلا الى المفكر
الايرلندي أدموند بيرك، الذي كان يرى أن
القانون الاسلامي ضابط لجميع الناس من الملك بداية و وصولا
إلى أصغر المواطنين ورعايا الدولة.
وقد قال عن النظام
الإسلامي: انه منسوج بأحكم نظام حقوقي، وشريعة الاسلام هي أعظم
تشريع عادل لم يسبق قط للعالم ايجاد نظام مثله ولا يمكن ايجاد
مثله فيما بعد.
لكن يجب أن نسأل متى
نشأ الاستشراق و كيف لكننا نستطيع أن نضع خطوطا زمنية عامة لمراحل الاستشراق.
تعالوا معي..
أترون الاندلس،
في
وقت قريب من انتهاء الحملات الصليبية انظروا الى الكاهن الفرنسي الذي يتردد الى
مكتبات الاندلس وحلقات العلم فيها جيربريك دي اورلاك . لقد كانت له المحاولة الأولى لترجمة القرآن الى
اللاتينية وقد اختير ليكون البابا عام تسعمائة وتسعة وتسعين
ميلادية وتلقب بلقب البابا سلفستر الثاني.
هل تعلم ما يعني هذا؟
·
إنها المرحلة الأولى
بعد محاولة كسر العالم الإسلامي وتفتيته من خلال
الحملات الصليبية.
كانت أهم سمات هذه
المرحلة يتوجه أعداد لا بأس بها من طالبي العلم الأوروبيين
إلى
مراكز العلم في بلاد المسلمين وبالتالي ترجمة كثير من كتبها. وقد تصاعدت في مطلع القرن الثالث عشر.
·
المرحلة الثانية كانت
في الزمن الذي نظمت فيه بعثات الاستشراق ونرى دخول هذه الكلمة
إلى معاجم اللغة الإنجليزية عام ألف وسبعمئة وتسعة وسبعين ميلادية
ثم
ظهرت في معاجم اللغة الفرنسية وقد تحول كثير من
المستشرقين الى موظفين في وزارات الخارجية في بلدانهم
والمؤسسات
التبشيرية التي رافقت حملات الاستعمار في القرنين السابع عشر والثامن عشر.
·
مرحلة ما بعد الاستعمار
تبدأ بعد نهاية الحرب العالمية الثانية. حيث ظهرت حركة من المستشرقين تدعو إلى تحرير
الاستشراق من الأغراض التبشيرية وانتهاج البحث العلمي.
للأسف يا أصدقائي
فبالرغم من هذه الدعوات إلا أن السلطات
والمؤسسات الحاكمة وجهت الاستشراق ومراكز
الأبحاث والدراسات الشرقية لدعم أهدافهم الدينية
والإستعمارية كترسيخ وجود إسرائيل في فلسطين
وإفساد
صورة الإسلام وتحريفه ودفع تيارات فكرية جديدة للظهور بين المسلمين
ونشر
الشبهات حول القرآن والسنة وتشكيك عامة المسلمين في دينهم.
معلومة على الهامش لن
أبالغ إن قلت لك إن أكثر من تسعين
بالمائة من شبهات الملحدين الجدد ضد الإسلام مذكورة لدى آباء المستشرقين
مثل
ثيدور نولدكه وجوزيف شاخت وجولد تسيهر ومستر كانون وهاملتون غيب وغيرهم، حيث
اعتمدوا على الروايات الضعيفة والمُنْكرة والشاذة
مقابل
انكار الروايات الصحيحة وتحريف معانيها.
على أي حال لم يتوقف
الأمر عند تشويه الدين، بل كان للمستشرقين
ومازال بصمة سيئة في تقسيم بلاد المسلمين
وإحياء
النعرات القبلية والعصبيات المذهبية والنزاعات الطائفية
والعقائدية لتفريق وحدة المسلمين ومحاولة تجاوز قواعد
اللغة العربية كالدعوة للكتابة باللهجات العامية وإزاحة اللغة
العربية الفصحى من أمامها وذلك بهدف قطع الصلة
بين المسلمين وماضيهم.
بالمقابل نجد تبجيلا
عجيبا للشخصيات الغربية مثل نابليون وحملته على مصر
وذلك
يصب كله في جهة إخضاع تفكير المجتمعات الإسلامية للسيطرة الغربية وتسهيل الانقياد
لها لحظة لن نشكك يا أصدقائي في أهمية الدراسات والجهود
التي قام بها المستشرقون المنصفون، لكننا في الوقت نفسه ينبغي ألا ننسى دورهم في
استعمار البلدان الشرقية والدول الإفريقية
ونهب خيراتها وثرواتها
لصالح بناء حضارتهم على جماجم الشعوب المقهورة.
لكن قد يطرح سؤال مهم
لماذا تطور الغرب وتأخرنا؟ هذا سؤال كبير ومحزن
حقا لا يمكن تفصيل الجواب عنه بدقائق
لكن يجب أن تتأكد من أن
الأوروبيين لم يستيقظوا فجأة وقد تحولت بلدانهم إلى
جنان من الفردوس وأبناؤهم يخترقون الفضاء.
لا وألف لا.
لقد احتاجوا وقتا طويلا
من العمل والاستفادة من علوم الآخرين، وربما سرقتها وسرقة ثروات بلادهم حتى وصلوا
إلى ما هم عليه الآن.
وكذلك فإن المسلمين لم
يضعفوا في يوم وليلة وقد احتاج الوصول
لواقعنا المعاصر إلى مئات السنين من الضعف وترك العلم
ويجب
أن نؤكد لأنفسنا أن طريق النهضة يبدأ بالإيمان بالله ودينه
والتشبع
بالعلم والعمل والأخلاق...
