لمئاتِ
السنين كنتَ لو سألتَ الناسَ عن البُردة أنشدوا لك قصيدةَ شَرَفِ الدينِ محمدِ بنِ
سعيدِ البوصيريِّ:
"أمن تذكر جيران بذي
سَلَمِ مزجتَ دَمعاً جَرَى مِنْ مُقْلَةٍ بِدَمِ"،
لا
قصيدةَ كعبِ بن زهيرِ التي أنشدها بين يدي النبيّ:
"بانت سعاد فقلبي اليوم متبول متيم إثرها
لم يُفد مكبول"،
ربما لأن ألفاظ كعبٍ غريبةٌ في زماننا وربما لأن معانيَ كعبٍ لم تكن غريبةً بما يكفي في زمانه فقد كان، على علو شأنه، شاعراً يمدح خائفاً من العقاب، تائباً من الذنب راغباً في النوال كالمعتاد وقصيدتُه نحوُ ستين بيتاً أربعون منها في ذكر حبيبةٍ تصلح لأن تكون كنايةً عن الدنيا التي خسرها وكان فيها نجماً وسيداً ثم انقلبت عليه كالغول فلم يجد صاحباً يحميه ولا قريباً يجيرُه. وفي ذكر رحلة في الحرِّ الممض تصلح لأن تكون كناية عن خوفه ووحشته حتى يلقى النبي مستأمناً أما ثلثها الأخير فاعتذار للنبي عن هجائه السابق له ثم تشبيه له بالأسد والسيف.
أما
قصيدةُ البوصيريِّ فكانت غريبةً في زمانه وكلُّ نفيسٍ غريب فتأليفُ قصيدة من مئةٍ
وستينَ بيتاً في مديحِ من ليسَ ملكاً أو والياً أو وزيراً ذا سيفٍ يشهرُ وذهبٍ
ينثرُ لم يكن معتاداً لم يكن كبار شعراء العرب قبل البوصيريِّ يمدحونَ إلا من
يرجُونَ رفدَه أو حمايتَه من الخلفاء والملوك.
فلا
جريرٌ ولا الفرزدقُ ولا بشارٌ ولا أبو نُواسٍ ولا أبو تمامٍ ولا ابنُ الروميِّ ولا
البحتريُّ ولا المتنبي ولا أبو العلاءِ مثلاً ألفوا مدائحَ في النبي ربما مدح
بعضُهم آلَ البيت لأنهم كانوا مهدَّدِين بالقتل من قِبَلِ بني أميةَ أو بني العباس
كما فعل الفرزدقُ مع زين العابدين عليّ بنِ الحسينِ بن عليِّ بنِ أبي طالب حين خاف
عليه من بأس هشامِ بن عبد الملكِ بن مروان وربما كَنَّوا بالنبي عن آله كما كان
يفعل الكميتُ بنُ زيدٍ في هاشمياته، لكنّ مديحاً في شهرة البردة لم يؤثَرْ عن أيٍّ
منهم قط.
فما الذي دفع البوصيريَّ لكتابة المديح؟
تقول
الرواية إنه كان مصاباً بالفالِج أي الشَّلل فنظمَ القصيدةَ تشفُّعاً واستشفاءً فرأى
النبيَّ في المنام يَلُفُّ عليه بُرْدَتَه أي عَبَاءَتَه فقامَ من منامه مُعَافَى ولقيه
فقيرٌ من الدراويش فقال له أينَ القصيدةُ التي مدحتَ بها النبيَّ عليه الصلاة
والسلام؟ فقال أيَّ قصيدةٍ تريدُ؟ فقال الدرويشُ التي مطلعُها "أمن تذكر
جيران بذي سلمِ مزجت دمعاً جرى من مقلة بدمِ" فقال البوصيريُّ وكيف علمتَ بها
وأنا لم أنشدها أحداً من الناس بعد؟ فقال الدرويش رأيتُ النبي في منامي فأخبرني، لكن
قصة الحلم في اجتهادي تَتِمَّةٌ للقصيدة ومجازٌ من مجازاتها الأجمل.
فقد
كانت الأمةُ كلُّها آنئذٍ مصابة بالفالج فالبوصيريُّ عاش في مصرَ بينَ عامِ 1213 وعامِ
1295 للميلاد في الخامسةِ من عمره ستصلُ الحملةُ الصليبيةُ الخامسةُ إلى شواطئِ
مصر وسيحاصرُ الصليبيونَ دمياط ويرتكبونَ المذابحَ حولَها ثلاثَ سَنَواتٍ طِوالاً حتى
يَرُدَّهم الملكُ الكاملُ محمدُ ابنُ أخي صلاحِ الدينِ الأيوبيِّ والبوصيريُّ في
الثامنة.
لكن
فَرَحَ الانتصار لم يَطلُ فقد وصلت إلى القاهرةِ أخبارُ تمدُّدِ المغول في خوارزمَ
وفارس وأنهم أبادوا أهل بُخارَى وسمرقند بعد قليلٍ من حصار الصليبيينَ لدمياط، وخاف
الكامل أن يحارب على جبهتين المغولَ شرقاً والفرنجةَ غرباً وقد كان خائفاً من أخيه
المعظَّمِ عيسى في دمشق فعرض تسليمَ القدسِ للفِرِنجة في معاهدةٍ ألغت ما كان له
من فضلِ الجهاد وأُحرِقَت دورُ المدينة وفُكِّكَتْ حُصُونُها حَجَراً حَجَراً، عدا
المساجدَ والكنائس وسَيُسَمَّى هذا الغزوُ الذي تم بالتَّواطُؤِ بين ملوكِ
المسلمين والفِرِنجة بالحَمْلة الصليبية السادسة وسيشهدُه البوصيريُّ وهو ابنُ
خمسَ عَشْرةَ سنة، ولن يسترد المسلمون القدسَ إلا وهو في الحاديةِ والثلاثينَ على
يدِ الملك الصالحِ نجمِ الدينِ أيوبَ بنِ الكامل محمد، لكنَّ هذا الاستردادَ سيتسبَّبُ
في حملةٍ صليبيةٍ سابعةٍ يقودُها ملكُ فرنسا والقديسُ لاحقاً لويسُ التاسعُ والبوصيري
في السادسةِ والثلاثين وستعيش القاهرة تهديداً حقيقياً بالاجتياحِ ثم المذبحةِ ثم
الحريقِ حين يموتُ السلطانُ المريضُ في المعركة ولا ينقذُها إلا تجنيدُ المسلمينَ
لماءِ النيلِ وإغراقُهم مخيماتِ الفرنجة عند المنصورة.
لكن
وللمرة الثانية لم يطل الفرح بالناس فحين يبلغ البوصيريُّ الخامسةَ والأربعين ستأتيه
أخبار الفاجعة الكبرى غزوِ المغول لبغداد وقتلِ الخليفةِ المستعصمِ بالله العباسي آخرِ
خلفاءِ العباسيينَ في العراق وقتل مئاتِ الآلافِ من أهل المدينة في مذبحةٍ
استمرَّت أربعينَ يوماً ما زالت تحكم الخيالَ الجمعيَّ للعرب والمسلمين إلى اليوم وستمتدُّ
المذابحُ كالشَّبَح على الخريطة من العراقِ إلى الشام ويدخلُ المغولُ دمشقَ وحلب ويتّجِهُونَ
إلى مصر، بل إن شائعاتٍ انتشرت في ذلك الزمنِ عن أن المغولَ ينوونَ غزوَ الحجازِ
وهدمَ الحرمين كان التهديدُ شخصياً السيفُ على تفاحة آدم وكان التهديدُ عاماً،
عالمٌ كاملٌ ينتهي القرآنُ مهدد، النبيُّ مهدَّد نقوشُ المساجد، قواعدُ النحو،
بحورُ الشعر كلُّها مهددةٌ بأن يرميها الغزاة للنار والنسيان فكأن البوصيريَّ حين
مدح النبيَّ بدلاً من ما اعتادَ عليه الشعراء من مدحِ الملوك كان يطلبُ رِفدَهُ
وحمايتَه من هذه المصائبِ التي حلَّت بالأمة في العراق والشام ومصر، فهي مصائبُ لا
ينفعُ معها الاستنجادُ بالولاة والملوك الذين لا يكادون يصلحون لشيء وكأنه من باب
آخرَ يرى النبيَّ نفسَه مُهَدَّداً كما كان الشعراءُ يَرَوْنَ آلَ بَيْتِهِ
مُهَدَّدِينَ حينَ مَدَحُوهُم كان البوصيريُّ يرى اسمَ النبيِّ ورسالتَه وعراقَه
وشامَه ومصرَه وحجازَه مهددةً بأن يمحوَها الفرنجةُ أو المغولُ محواً فألَّف
القصيدةَ رغبةً في أن يحفَظَ الاسمَ والرسالةَ والمعنى أو قل كانت القصيدةُ
تمسُّكاً بالاسم والذاكرة أمامَ المذبحة المحتَمَلَة كأنَّها نطقٌ باذخٌ
بالشَّهادة وصليلُ السيوفِ يعلو بباب الدار كأن قائلَها يَتَمَثَّلُ عُثمانَ إذِ
احْتَضَنَ المصحفَ في الحصارِ لا تدري إن كانَ يحميهِ أم يحتَمِي بِه فَبُرْدَةُ
البوصيريِّ رَغْبَةٌ مَجَازِيَّةٌ في الاستنجادِ بالنبيَّ وفي إنجادِهِ معاً لذا
ليس صدفة أن الأحبابَ الذين يشتاقُ إليهمُ البوصيريُّ في مطلعِ القَصِيدَة جيرانَ
ذي سلم أهلَ المدينة المنورة يبقُونَ غَامِضِينَ فقد يكونُ المطلعُ غَزَلاً في
امرأة يُكنَّى عَنْها بِضَمِير الغائبين حِشْمَةً كما هي عادةُ العرب أو يكونُ
الغائبُ النبيَّ نفسَه معبَّراً عنه بضميرِ الجماعَةِ تَعْظِيماً أو النبيَّ
وصحابتَه أو ذلك الجيلَ كلَّه ذلك العالمَ الذي عاشت الأمةُ فيه عزيزةً بلا
فِرِنجةٍ ولا مَغُول مَكْفِيَّةً بِكِرَامِها من كلِّ منتدبٍ لله محتسبٍ يَسْطو
بِمُسْتَأْصِلٍ لِلْكُفْرِ مُصطَلِم حتَّى غَدَتْ مِلَّةُ الإسلام وهْيَ بِهِمْ مِنْ
بَعْدِ غُرْبَتِها مَوْصُولَةَ الرَّحِم وليس صدفة أن يذكر اختلاط اللذة بالألم كلما
ذَكَرَهُم: نعم سَرَى طَيْفُ مَنْ أَهْوَى فَأَرَّقَنِي والحبُّ يَعْتَرِضُ
اللذَّاتِ بالأَلَمِ وليس صدفةً أن تَنْبَنِيَ القصيدةُ كلُّها وكأنَّها دَرَجٌ
يتصاعدُ حتى يصلَ إلى ذكرِ الإسراءِ والمعراجِ في بيت المقدس وبعدَها مُبَاشَرَةً
يُذْكَرُ بابُ الجهاد فكأنَّ القصيدةَ معراجٌ للمعراج درجٌ يرتقي من الحنينِ حتى
الجِهادِ ومن يثربَ إلى القدس وتتصل القدسُ والجهادُ فيها كما اتصلا حقاً في زمانِ
شاعرها وفي أزمنة كثيرة بعده.
ثم
يأتي الختام طلباً للنجدة والنجاة ويبدو أن لقصة الرؤيا والبردةِ التي تَشفي من
الفالج مصداقاً من التاريخ، فقد عاش البوصيريُّ حتى رأى الأمة تتعافى من الفالج
الذي أصابها رأى رؤوسَ قادةِ المغولِ يطافُ بها في القاهرة وفي دمشق بعد أن هزمهم
الملكُ المظفر ُسيفُ الدين محمود في عينِ جالوتَ شمالَ فلَسطين ورأى انكسارَ
الصليبيين في أنطاكيةَ على يد الملك الظاهر ركنِ الدينِ بَيْبَرس ثم سمع قصة
إرسالِ الملكِ الأشرفِ خليلِ بنِ قلاوون سفيرَه يطلب من بقايا الفرنجةِ الخروجَ من
عكا آخر معاقلهم في بلادنا فأراد الصليبيونَ تخويفَ السفير فعرضوا عساكرهم أمامه
ألوفاً فأجابهم بهدوء "إن في سجونِ القاهرة من جنودِكم أكثر من هَؤلاء"
ثم
سيسمعُ البوصيريُّ وهو في الثامنة والسبعين أهازيج البشائر حين يبلغه طردُ
الفِرِنْجة من الساحل كلِّه وفتحُ الملكِ الأشرفِ عكا عام 1291 وسيرى البوصيريُّ
الخلافةَ العباسيةَ مستأنفةً في مصر وقد أحضرَ الناجونَ من بني العباسِ بردةَ
النبيِّ إلى القاهرة مَعَهم البردةَ نفسَها التي كان النبيُّ أهداها لكعبِ بنِ
زهير ورآها البوصيريُّ في المنامِ والنبيُّ يمُنُّ بها عليه فَشَفَتْهُ من الشلل البردةَ
التي اشتراها معاويةُ ثم توارثَها الخلفاءُ من جيل إلى جيل نجت من المغولِ ومن
الصليبيين وبقيت في القاهرةِ أكثرَ من 250 سنة ثم في إسطنبولَ مع بني عثمان وهي
محفوظةٌ هناك إلى يوم الناس هذا فصدقت رؤيا الشاعر وجاد عليه ممدوحُه بأكثرَ من
الشفاء.
ومن
تكن برسول الله نصرته إن تلقه الأُسْد في آجامها تجمِ فلن ترى من ولي غير منتصر به
ولا من عدو غير منقصم وإن فأل الخير ليصدق أحياناً فما يدريك لعلَّ وعسى!
